الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
291
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
كقوله تعالى : كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ [ الأنعام : 141 ] . [ 74 ، 75 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 74 إلى 75 ] إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ ( 74 ) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ( 75 ) لهذه الجملة موقعان : أحدهما : إتمام التفصيل لما أجمله الوعيد الذي في قوله تعالى : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ [ الزخرف : 65 ] عقب تفصيل بعضه بقوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ [ الزخرف : 66 ] إلخ . وبقوله : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [ الزخرف : 67 ] حيث قطع إتمام تفصيله بالاعتناء بذكر وعد المؤمنين المتقين فهي في هذا الموقع بيان لجملة الوعيد وتفصيل لإجمالها . الموقع الثاني : أنها كالاستئناف البياني يثيره ما يسمع من وصف أحوال المؤمنين المتقين من التساؤل : كيف يكون حال أضدادهم المشركين الظالمين . والموقعان سواء في كون الجملة لا محلّ لها من الإعراب . وافتتاح الخبر ب إِنَّ للاهتمام به ، أو لتنزيل السائل المتلهف للخبر منزلة المتردّد في مضمونه لشدة شوقه إليه ، أو نظرا إلى ما في الخبر من التعريض بإسماعه المشركين وهم ينكرون مضمونه فكأنه قيل : إنكم أيها المجرمون في عذاب جهنم خالدون . والمجرمون : الذين يفعلون الإجرام ، وهو الذنب العظيم . والمراد بهم هنا : المشركون المكذبون للنبي صلى اللّه عليه وسلّم لأن السياق لهم ، ولأن الجملة بيان لإجمال وعيدهم في قوله : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ [ الزخرف : 65 ] ، ولأن جواب الملائكة نداءهم بقولهم : لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ [ الزخرف : 78 ] لا ينطبق على غير المكذبين ، أي كارهون للإسلام والقرآن ، فذكر المجرمين إظهار في مقام الإضمار للتنبيه على أن شركهم إجرام . وجملة لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ في موضع الحال من عَذابِ جَهَنَّمَ و يُفَتَّرُ مضاعف فتر ، إذا سكن ، وهو بالتضعيف يتعدّى إلى مفعول . والمعنى : لا يفتّره أحد . وجملة وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ عطف على جملة إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ .